خليل الصفدي

48

أعيان العصر وأعوان النصر

486 - بو سعيد « 1 » ملك التتار القان بن القان محمد بن خربندا بن أرغون بن أبغا بن هولاكو المغلي . صاحب العراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان والروم ، والناس يقولون فيه أبو سعيد على أنه كنية ، والصحيح أنه علم هكذا رأيت كتبه التي كانت ترد على السلطان الملك الناصر محمد ، يكتب على ألقابه الذهبية بو سعيد باللازورد الفائق ، ويزمك بالذهب . لما وقعت المهادنة والصلح بينه وبين صاحب مصر ، أراد السلطان أن يبتدئه بالمكاتبة ، فبقي السلطان يطلب كاتب السر القاضي علاء الدين بن الأثير بالمكاتبة ، وهو يقول له : يا خوند إن كتبنا له المملوك قد لا يكتب المملوك ، وإن كتبنا له والده أو أخوه فهو قبيح ، ثم قال له بعد شهر : يا خوند رأيت أنا نكتب موضع الاسم ألقاب مولانا الشيخ السلطان بالطومار ذهبا ، ونكتب على الكل محمد بالذهب أيضا نسبة طغرة المناشير ، فقال : هذا جيد ، وجهّز الكتاب على هذا الحكم ، وعاد الجواب كذلك خلا بو سعيد ، فإنها كانت باللازورد المليح المعدني ، فقال السلطان : ونحن نكتب كذلك ، فقال القاضي علاء الدين بن الأثير : يا خوند لأنا نكون قد قلّدناهم ، فاستمرت المكاتبة بينهما كذلك ، إلى أن توفي بو سعيد - رحمه اللّه تعالى - . وكان شابا مليحا ، لا يرى في المكارم طليحا ، مسلما إلى الخير مسلما ، معلما بالجود وللسكون معلما ، كتب الخط المنسوب ، ودخل في ذلك العدد المحسوب ، ورأيت خطه على ديوان أبي الطيب ، كأنه باكورة زهر غب القطر الطيب ، وأجاد الضرب بالعود ولعب به ، فكانت يمينه سحابة تقهقه منها الرعود ، وصنّف مذاهب في النغم ، ونقلت عنه ورواها أولو النغم ، وتداولوها وأصلها منه ، وأبطل كثيرا من المكوس ، وأطلق جماعة من الحبوس ، وأراق الخمور ، وصمم في من شربها على أمور ، وهدم ما في بغداد من الكنائس ، وتتبع من له في دين الإسلام دسائس ، وخلع على من أسلم من الذمة ، وجعل الترغيب في الدخول للإسلام من الأمور المهمة ، وأسقط ما في ممالكه من مكوس الثمار ، ولم يدع فيها أحدا يتعرض لهذا السبب إلى أخذ درهم ولا دينار ، وورث ذوي الأرحام ، ولم يأخذ منهم لبيت المال نصيبا ، وأصبح في هذه المسألة لأبي حنيفة - رضي الله عنه - نسيبا ، إلّا أنه كانت به عنّة ، لا يجد له منها سوى بغداد جنّة « 2 » ، وهو كان آخر بيت هولاكو ، وبانقراضه انقرضوا ، ونكثوا

--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات 10 / 32 ، والبداية والنهاية : 14 / 174 ، والدرر الكامنة : 1 / 501 ، وشذرات الذهب : 6 / 113 ، والمنهل الصافي : 3 / 442 . ( 2 ) بغداد هي : زوجه ، بنت جوبان ، والجنة الستر والغطاء .